مع بدء منح السعوديات تراخيص مزاولة المحاماة عام 2013، اتسع مجال عمل القانونيات من صفة الوكيلة إلى الترافع المهني في المحاكم. ولم يقتصر حضورهن على قضايا النساء؛ بل شمل التجارة والشركات والعمل والأحوال الشخصية، لتبدأ مرحلة اختبار جديدة للمعرفة القانونية والقدرة على بناء المسار المهني.
وفي تقرير نشرته «عكاظ»، تحدثت محاميات ومستشارات ومتدربات عن تجارب متباينة: بحث قانوني يصل إلى النشر الدولي، وتطوع لخدمة غير القادرين، وطموح إلى المشاركة في تطوير الأنظمة، إلى جانب صعوبات التدريب والخدمات الميدانية. وتحفظ شهاداتهن صورة تلك المرحلة كما عشنها، بما فيها من تقدم وعقبات واختلاف في المواقف.
هدى باشميل: حماية الاستثمار تبدأ بالضمانات القانونية
اتخذت هدى عمر باشميل من البحث طريقًا لمد تجربتها إلى خارج المجال المحلي. فقد نشرت دراسة عن تسوية منازعات الاستثمار في إطار المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار «إكسيد»، وعلاقتها بحماية الاستثمار الأجنبي المباشر، في مجلة أمريكية محكمة متخصصة بالتجارة المصرفية عبر الإنترنت، وفق التقرير.
باشميل، الحاصلة على بكالوريوس القانون العام وماجستير القانون الدولي من بريطانيا، شرحت اهتمامها بالموضوع من زاويتين. فالمستثمر يبحث عن أسواق جديدة وتوسيع أعماله، فيما تتطلع الدولة المضيفة إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتلتقي المصلحتان حين تتوافر بيئة قانونية واضحة يمكن الوثوق بها.
ركزت دراستها على الحماية القانونية والإجراءات الشفافة والنزيهة، وعلى وجود آليات مناسبة لحل النزاع إذا وقع بين الأطراف. واستندت إلى لوائح دولية تناقش الضمانات التي تفيد المستثمر والدولة المضيفة معًا. وبالنسبة إليها، لم تكن الدراسة منفصلة عن تقلبات الاقتصاد، بل محاولة لفهم أحد الشروط التي تدعم الاستثمار وتحمي استمراره.
هند البشير: التدريب والمعونة القضائية وصياغة الأنظمة
قدمت هند طارق البشير تجربة تجمع ممارسة المحاماة في جدة وتنظيم الدورات والمؤتمرات والندوات الحقوقية وورش العمل بالتعاون مع جهات إقليمية ودولية. ومن الفعاليات التي أوردتها المؤتمر السنوي للاتحاد الدولي لقانون الرياضة، إذ رأت في التواصل المهني وسيلة لبناء الشخصية القانونية وتبادل الخبرات.
وامتد اهتمامها إلى التطوع عبر مبادرة «تكامل للمعونة القضائية»، التي تضم التدريب والمساعدة في التوظيف، وتقديم خدمات قانونية لأصحاب الحقوق الذين لا يستطيعون الترافع أو تحمل الأتعاب. وكانت ترى في هذه الخبرة تعريفًا عمليًا لمحامي المستقبل بمسؤوليته الاجتماعية، وبإمكان تسخير المعرفة القانونية لخدمة المحتاجين.
تحدثت البشير عن دعم أسرتها منذ الدراسة الجامعية، وعن تمسكها بالحصول على الترخيص بعد إتاحة ذلك للسعوديات. لكنها رصدت نظرة اجتماعية تختزل المرأة في شخصية لا تستطيع المطالبة بالحق، ومحدودية فرص العمل في بعض المكاتب، رغم زيادة أعداد خريجات القانون وحاجتهن إلى اكتساب الخبرة.
لذلك ربطت طموحها بنشر الثقافة الحقوقية، والاستفادة من البرامج والملتقيات التي تنظمها مراكز القانون السعودي للتدريب. وكانت تتطلع إلى المشاركة في وضع الأنظمة العدلية وصياغتها، وإلى التعاون مع أصحاب الخبرة لبناء أساس أكثر دعمًا للمحاميات القادمات إلى المهنة.
بيان زهران: تمثيل مهني يقوم على العمل الفعلي
دعت بيان زهران إلى مشاركة المحاميات في هيئة المحامين وتمثيل احتياجاتهن داخل المظلة المهنية. وانطلقت من أن العمل اليومي يكشف مسائل قد تختلف بين المحامين والمحاميات، وأن مشاركة الطرفين تساعد على الوصول إلى حلول أكثر اتصالًا بالممارسة.
أما الترشح للانتخابات، فربطته بقدرتها على تقديم فائدة حقيقية وتخصيص الوقت اللازم للمسؤولية. لم تكن ترغب في حضور اسمي، بل في دور يمكن قياسه بما يقدمه للزملاء ولتطوير المهنة. ورأت في الهيئة مساحة لتبادل الخبرة وتحسين الجودة ومناقشة المقترحات والأنظمة.
وتحدثت، في سياق المرحلة التي وثقها التقرير، عن الحاجة إلى فتح وظائف التحقيق والادعاء أمام النساء المؤهلات، ولا سيما في التعامل مع قضايا تتعلق بمتهمات. وربطت ذلك بالمؤهلات والخبرة وموافقة الجهات المعنية، لا بمجرد الرغبة في شغل الوظيفة.
وفي المقابل، أكدت أن الجهات الرسمية تتجاوب مع المحامية التي تظهر إلمامًا بالأنظمة والإجراءات. وكانت نصيحتها أن يستمر التأهيل بعد التخرج: قراءة البحوث، وتحليل الأنظمة، وتنمية المهارات والخبرات؛ لأن هذه الأدوات تمنح المحامية قدرة أفضل على فهم القضية والدفاع عنها.
ديمة الشريف: قيمة التخصص واتساع الحضور القضائي
رصدت ديمة بنت طلال الشريف، المحامية والمستشارة التي ترأست قسم الصحة والغذاء في أحد مكاتب المحاماة، تفاوت ردود الفعل على دخول النساء إلى المهنة بين الترحيب والاستغراب والرفض. لكنها رأت أن التجربة القصيرة آنذاك أظهرت حضورًا ملموسًا في العمل الحقوقي والمؤتمرات، وعززت ثقة موكلات في الاستعانة بمحاميات.
واستشهدت بقرار كان مرتقب التنفيذ وقت التقرير لتوظيف نساء في تسع محاكم إدارية، بينها محاكم في الرياض ومكة والمنطقة الشرقية. ووصفته بخطوة نوعية نحو مشاركة أوسع في المؤسسات القضائية الحكومية، مع تطلعها إلى امتداد الفرص إلى جهات ووظائف أخرى.
اختارت الشريف تعميق تجربتها في مجالات الطب والصحة والغذاء والدواء. وبالنسبة إليها، كان التحدي يتجاوز إثبات القدرة على الوقوف أمام القضاء إلى تقديم إضافة تخصصية يمكن أن تحتاجها المهنة والمجتمع، سواء في هذه المجالات أو في الشركات والتحكيم.
واهتمت بالتحكيم مع ازدياد حضوره محليًا ودوليًا، وتحدثت عن مشاركتها متحدثة في مؤتمر غرفة التجارة الدولية للتحكيم بالشرق الأوسط. ودعت زميلاتها إلى الاستفادة من الرواد بالقراءة والممارسة وحضور فعاليات مثل أسبوع دبي القانوني. كما عدت تشجيع الأسرة والمجتمع والزملاء جزءًا من البيئة التي تساعد على استمرار التطور المهني.
عهود وتغريد العنزي: بداية التدريب في عرعر
في الحدود الشمالية، بدأت عهود العنزي وتغريد العنزي مسارهما بعد التخرج في قسم القانون بجامعة الحدود الشمالية، ثم القيد لدى وزارة العدل محاميتين متدربتين. والتحقتا بمكتب في عرعر، حاملتين طموح بناء خدمة قانونية نسائية أقرب إلى احتياجات المنطقة.
قالت عهود إن ميلها إلى المجال القانوني وفرصة العمل فيه دفعاها إلى الاختيار. وكانت لا تزال في التدريب ولم تدخل المحكمة بعد، لكنها تطلعت إلى مساندة سيدات لا يجدن محامية تتولى قضاياهن، وإلى التعامل مع خصوصية مسائل الأحوال الشخصية وحماية الأسرة من الإيذاء والعنف.
أما تغريد، فركزت على خدمة العدالة وصيانة الحقوق الشرعية والنظامية، والعمل على تكوين فريق نسائي يخدم قضايا المرأة في المنطقة. ورأى المستشار القانوني خالد البلوي في دخولهما الميدان تعزيزًا لمشاركة المرأة في المهن القانونية ودعمًا لدورها في تحقيق العدالة.
سارة باقتادة: خدمات المحاكم جزء من بيئة العمل
عرضت المحامية والمستشارة سارة باقتادة عقبات واجهتها بعض المحاميات، منها اعتراضات على المظهر وإلزام بتغطية الوجه، رغم التزام الحجاب وفق وصفها. وتحدثت أيضًا عن غياب مساحات كافية لخدمتهن في محكمة التنفيذ، حيث تتكرر المراجعات لتنفيذ أحكام الأحوال الشخصية وقضايا الأوراق التجارية.
وطالبت بتدخل لتحسين الخدمة وتخصيص موظف في كل دائرة لخدمة المراجعات والمحاميات وتخفيف الازدحام. وأشارت إلى وجود مكان مخصص لهن في المحكمة الجزائية، بوصفه مثالًا يمكن الاستفادة منه في جهات أخرى. وهي مطالب ربطتها بتسهيل أداء العمل اليومي، لا بتغيير طبيعة المهمة القانونية نفسها.
خلود الغامدي ولطيفة الشيحة: تجربتان في التدريب
رأت المستشارة خلود الغامدي أن الأتعاب تتفاوت بحسب الجهد والجلسات والترافع، وأن بعض المكاتب يقدم خدمات مجانية لسيدات لا يستطعن الدفع. لكنها لفتت إلى صعوبة العثور على جهات تدريب مهيأة، وإلى استغلال بعض المكاتب حاجة المتدربة للخبرة بإسناد أعمال كثيرة إليها دون مكافأة.
قدمت لطيفة عبدالكريم الشيحة صورة مختلفة عن تجربتها الشخصية، ووصفتها بالسلسة والموفقة بعد التأني في اختيار المكتب. وفي الوقت نفسه نقلت شكاوى لزميلات عن عدم استخراج شهادات تدريب، أو الاكتفاء بالتسجيل في التأمينات، أو حصرهن في الأرشفة والعمل المكتبي دون ممارسة ميدانية وحوافز مناسبة.
ورفضت الشيحة تعميم عدم تقبل المحاكم للمحاميات؛ ففي تجربتها بمحاكم الرياض وديوان المظالم والمحكمة العامة وجدت احترامًا وحسن معاملة من أغلب القضاة. واستعادت حضورها جلسات للاستماع والتعلم قبل أن تتولى قضايا، لتؤكد أن اختيار بيئة التدريب والتجربة المباشرة قد يصنعان فرقًا في المسار، وأن الشهادات المتباينة تستحق أن تسمع دون اختزالها في صورة واحدة.




